المرأة اليمنية في يومها العالمي… كفاءة تستحق التمكين وشراكة كاملة في قيادة الدولة

شفيقة سعيد رئيسة اللجنة الوطنية للمرأة في اليمن - يمن لايف 24"

✍🏻 د.شفيقة سعيد
رئيسة اللجنة الوطنية للمرأة

يأتي اليوم العالمي للمرأة في الثامن من مارس من كل عام ليكون مناسبة إنسانية عالمية للاحتفاء بدور المرأة في الحياة، والاعتراف بما قدمته وتقدمه من عطاء لا ينضب في مختلف مجالات المجتمع. إنه يوم نحتفي فيه بالقوة التي لا تُكسر، وبالقلب الذي يعطي دون حدود، وبالروح التي تزرع الأمل حتى في أصعب الظروف.

فالمرأة ليست مجرد نصف المجتمع كما يُقال، بل هي الحياة التي تمنحه النور، والقوة التي تصنع مستقبله. في داخل كل امرأة قصة كفاح وصبر، وجمال حقيقي لا يُقاس بالمظاهر بقدر ما يُقاس بما تقدمه من عطاء وإنجاز وإصرار على صناعة الحياة. لذلك تظل المرأة مصدر إلهام دائم، وقادرة على تحويل التحديات إلى فرص، والأحلام إلى واقع.

غير أن الاحتفاء بهذه المناسبة لا يكتمل بالعبارات الجميلة أو الاحتفالات الرمزية، بل يكتسب معناه الحقيقي عندما يتحول إلى وقفة جادة لمراجعة واقع المرأة، خاصة في البلدان التي تعاني من أزمات وصراعات، وفي مقدمتها اليمن.

فالمرأة اليمنية تمر اليوم بواحدة من أصعب المراحل في تاريخها الحديث، حيث تراجعت فرص مشاركتها في الحياة السياسية والعامة، وغابت بشكل لافت عن مواقع التمثيل البرلماني والحكومي، في ظل استمرار مظاهر التمييز التي تقيد حضورها في دوائر صنع القرار.

ولسنوات طويلة، كانت قضية المرأة تُستحضر أحياناً كعنوان للمزايدات السياسية، إذ رفعت بعض القوى شعارات التمثيل والحقوق دون أن تقترن بإجراءات حقيقية تترجم تلك الشعارات إلى واقع ملموس. ومع تعقيدات المرحلة الراهنة، أصبح من الضروري تجاوز الخطاب النظري والانتقال إلى خطوات عملية تضمن للمرأة حقوقها الكاملة كمواطنة وشريك أساسي في بناء الدولة والمجتمع.

إن المرأة اليمنية اليوم لا تحتاج إلى باقات الورود بقدر ما تحتاج إلى دولة عادلة تنصفها، وتشريعات واضحة تحمي حقوقها، وسياسات عامة تفتح أمامها أبواب المشاركة في مختلف المجالات. فالمطلوب ليس احتفالاً عابراً في يوم واحد، بل مسار طويل من العمل الجاد لإرساء مبادئ المساواة وتكافؤ الفرص.

وفي هذه المناسبة، تتطلع النساء اليمنيات إلى أن تعمل الجهات الحكومية والأحزاب السياسية والقوى المجتمعية الفاعلة على توفير بيئة حقيقية للعدالة، تُزرع فيها بذور الحقوق المستدامة، لا مجرد مبادرات رمزية تُحتفى بها في مناسبة ثم تُنسى في بقية الأيام.

ورغم كل التحديات، تبقى المرأة اليمنية نموذجاً للصبر والصمود والعطاء. فقد أثبتت، عبر مختلف المراحل، قدرتها على تحمل المسؤولية ومواجهة الصعوبات، سواء داخل الأسرة أو في ميادين العمل والإنتاج والخدمة المجتمعية. إنها الأم التي تربي الأجيال، والمعلمة التي تصنع الوعي، والطبيبة التي تداوي الألم، والعاملة التي تسهم في بناء الاقتصاد، والناشطة التي تدافع عن القيم الإنسانية والحقوق المدنية.

كما أن كفاح المرأة اليمنية من أجل المساواة والعدالة يشكل جزءاً من نضال أوسع تخوضه النساء في العالم العربي وفي مختلف أنحاء العالم، من أجل مجتمعات أكثر عدلاً وتوازناً، تحترم كرامة الإنسان وتؤمن بدور المرأة كشريك فاعل في التنمية وصناعة المستقبل.

ومن هنا، فإن تمكين المرأة اليمنية لم يعد مجرد مطلب اجتماعي أو حقوقي، بل ضرورة تنموية ووطنية. ويتطلب ذلك الاستثمار في تعليم المرأة وتأهيلها، وتوفير فرص العمل اللائقة لها، ودعم النساء المتضررات من النزاعات والنزوح، إلى جانب مكافحة كافة أشكال التمييز وتعزيز حضور المرأة في مواقع القيادة وصنع القرار على المستويين المركزي والمحلي.

كما أن نشر الوعي المجتمعي بحقوق المرأة والتثقيف بها يعد خطوة أساسية في تصحيح المفاهيم الخاطئة، وتعزيز ثقافة المساواة والشراكة داخل المجتمع.

وفي هذا السياق، تبرز الحاجة الملحّة إلى تمكين المرأة اليمنية سياسياً وإدارياً بشكل أوسع، ومنحها الفرصة العادلة للمشاركة في الحكومة ومختلف المناصب القيادية العليا في الدولة، سواء في المؤسسات التنفيذية أو التشريعية أو الدبلوماسية والإدارية. فتعزيز حضور المرأة في مواقع القرار لم يعد مجرد مطلب حقوقي، بل ضرورة وطنية لبناء مؤسسات دولة حديثة تقوم على الكفاءة والشراكة المتكافئة بين جميع أبناء الوطن.

ومن المهم أيضاً العمل على توسيع تمثيل المرأة في مؤسسات الدولة عبر تخصيص نسبة عادلة من المناصب القيادية والتمثيل السياسي لا تقل عن 30 في المائة في الحكومة والبرلمان والهيئات العليا والسلطات المحلية. فهذه الخطوة تمثل مدخلاً عملياً لتعزيز مشاركة المرأة وضمان حضورها الفاعل في صناعة السياسات العامة واتخاذ القرار.

لقد أثبتت المرأة اليمنية، في مختلف المجالات، امتلاكها قدرات وكفاءات عالية في الإدارة والعمل العام والسياسة والاقتصاد والتعليم والصحة والإعلام، وقدمت نماذج ناجحة في القيادة والعطاء. ومن هنا، فإن منحها الفرصة الكافية في التعيينات الحكومية والقيادية لا يمثل مجرد إنصاف لها، بل استثماراً حقيقياً في طاقات المجتمع وإمكاناته.

كما أن تعزيز مشاركة المرأة في مواقع صنع القرار يسهم في إثراء الحياة السياسية والإدارية برؤى أكثر تنوعاً وشمولاً، ويعزز من حضور قضايا المجتمع المختلفة في سياسات الدولة وبرامجها التنموية، الأمر الذي ينعكس إيجاباً على مسار التنمية والاستقرار في البلاد.

وفي اليوم العالمي للمرأة، تتجدد كلمات التقدير لكل امرأة يمنية تصنع الحياة رغم كل الصعوبات، وتواصل العطاء بإيمان وإصرار، سواء كانت ربة بيت تدير أسرتها بحكمة، أو امرأة عاملة تساهم في خدمة مجتمعها، أو شابة تؤمن بقدراتها وتسعى لتحقيق طموحاتها.

إن المرأة اليمنية كانت ولا تزال رمزاً للعطاء والتضحية والصمود، وجزءاً لا يتجزأ من مستقبل اليمن. ومع كل التحديات التي تواجهها، يظل الأمل قائماً بأن يكون هذا اليوم محطة جديدة لتعزيز حقوقها، وترسيخ مكانتها كشريك كامل في بناء وطن يسوده السلام والاستقرار والعدالة.

فكل عام والمرأة اليمنية بخير، وكل عام وهي تواصل كتابة فصول جديدة من الصبر والإنجاز، في طريقها نحو مجتمع أكثر إنصافاً ومساواة.

Related Posts

الرئيس العليمي… عقل الدولة اليمنية في مواجهة الفوضى والمخاطر الإقليمية!!

عبدالرحمن جناح قراءة سياسية في دور الرئيس العليمي في معركة استعادة الدولة اليمنية في لحظات انهيار الدول، لا يختبر التاريخ قوة الجيوش بقدر ما يختبر صلابة رجال الدولة. فالأزمات الكبرى لا تفرز فقط صراعات على السلطة، بل تطرح أيضًا السؤال الأكثر خطورة: هل تنتصر الدولة أم الفوضى؟ وخلال السنوات الماضية، كانت اليمن ساحة مفتوحة لهذا السؤال المصيري. حرب طويلة، مؤسسات منهكة، اقتصاد مثقل بالأعباء، ومشهد سياسي معقد تتداخل فيه الحسابات المحلية مع التوازنات الإقليمية والدولية.وفي خضم هذا المشهد المضطرب، ونتيجة الأحداث الواسعة التي شهدتها البلاد، برز فخامة الرئيس الدكتور رشاد محمد العليمي، رئيس مجلس القيادة الرئاسي، بوصفه أحد أبرز رجال الدولة الذين وجدوا أنفسهم في مواجهة مهمة شديدة الصعوبة: حماية فكرة الدولة اليمنية من الانهيار. فلم يكن صعود الرئيس العليمي إلى موقع القيادة حدثًا عابرًا أو نتيجة ظرف سياسي طارئ. فالرجل ينتمي إلى مدرسة الدولة اليمنية التي تشكلت عبر عقود من العمل المؤسسي والسياسي. فقد عرفته الحياة العامة أكاديميًا في بداياته، ثم مسؤولًا أمنيًا، ووزيرًا للداخلية، ووزيرًا للإدارة المحلية، حيث كان آنذاك من أفضل الوزراء منذ ثورة 26 سبتمبر 1962، ومستشارًا عسكريًا وأمنيًا وسياسيًا لرئيس الجمهورية الأسبق، في واحدة من أكثر الفترات حساسية في تاريخ اليمن الحديث.وهي تجربة طويلة منحته معرفة دقيقة ببنية الدولة اليمنية وتعقيدات…

Read more

تحولات في موازين الحماية… دروس في الاعتماد على الذات

بقلم. فاضل الجهوري على مدى عقود طويلة، ظلّ كثيرون يعتقدون أن القواعد العسكرية الأجنبية في منطقة الخليج تمثل مظلة حماية وأمان. غير أن التطورات المتسارعة في المشهد الدولي جعلت البعض يتساءل اليوم: هل كانت تلك الحماية حقيقية أم مجرد وهم سياسي؟ فبعد ما يقارب ثلاثين عامًا من ترسيخ فكرة أن وجود تلك القواعد هدفه حماية دول المنطقة، برزت معادلة مختلفة؛ إذ بات يُطرح أن على دول المنطقة نفسها أن تتحمل أعباء حماية تلك القواعد، وأن تنفق من أموالها وتستخدم قدراتها العسكرية في سبيل ذلك. وهنا يبدو المشهد وكأنه انقلب رأسًا على عقب. هذه التحولات تطرح سؤالًا مهمًا حول جدوى الاعتماد المفرط على الآخرين في قضايا الأمن والسيادة. فالتجارب التاريخية تُظهر أن الدول التي تعتمد على قدراتها الذاتية، وعلى قوة شعوبها وجيوشها، تكون أكثر قدرة على حماية مصالحها واستقرارها، بينما قد يتحول الاعتماد الكامل على الخارج إلى مصدر ابتزاز أو ضغط سياسي. وفي المقابل، يشير البعض إلى تجارب دول سعت خلال العقود الماضية إلى بناء قدراتها العسكرية والتقنية بشكل مستقل، مستفيدة من الظروف الصعبة والتحديات التي واجهتها، حتى أصبحت قوة يُحسب لها حساب في محيطها الإقليمي. إن الدرس الأهم الذي يخرج به المراقبون من هذه التحولات هو أن الأمن الحقيقي لأي دولة يبدأ من الداخل: من قوة…

Read more

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *